السيد محمد حسين فضل الله

55

من وحي القرآن

حروف ، ويجيء النور ليمحو كل ذلك السواد ، لترجع صفحات الكون بيضاء نقيّة لامعة . وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً من خلال ما يمثله البصر من حركة النور في الأحداق ، فكأن النهار هو الذي يبصر ، في ما يحتضنه من حركة الشروق التي تمنح العيون معنى الإبصار بما تزيله من غشاوات الليل التي تمنع الرؤية . لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ بما يفتحه اللَّه لكم - من خلال النهار - من أبواب الرزق في مختلف مجالات الحياة ، وذلك هو فضل اللَّه الذي يمنحه لعباده من تهيئة الأسباب الطبيعية لامتداد الحياة واستمرارها في ما تحتاجه من غذاء وشراب وكساء وما إلى ذلك من الشؤون العامة والخاصة . التكامل بين الكون والإنسان وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وهذه حكمة أخرى يستفيدها الناس من نظام الليل والنهار ، فإن كل واحد منهما يمثل فاصلا زمنيا يحدد للإنسان حجم الزمن ، ويجعل له نوعا من التمايز العددي ، الذي يمكن أن تتعدد فيه السنون وغيرها من الأزمنة والأوقات ، وبذلك يمكن للناس أن ينظموا حساباتهم في حركة العمر والمواعيد والأوضاع المختلفة في كل شؤون الحياة . وهكذا ينطلق هذا النظام الكوني لينظّم للناس طريقتهم في الحياة وليحصلوا على منافع كبيرة وخير عظيم . وتلك هي قصة التكامل بين الكون والإنسان ، في ما يريد اللَّه أن يسخّره له من خصائص الوجود التي تنمي له وجوده وتبني له حياته ، وما يريد اللَّه منه إلا أن ينسجم في حركته مع حكمة اللَّه في الكون لئلا يفسد نظامه بعبثه وانحرافه وتمرده .